
لماذا احببتيه؟
شردت سهام بفكرها بعيداً، وهي تتأمل الشوارع الكئيبة المُظلمة من نافذة الأتوبيس العام الخالي تقريبا من الركاب علي غير العادة، ففي أحيان كثيرة تجد سهام نفسها أسيرة الزحام من كل الجوانب؛ لأن الأتوبيسات العامة دائما ما تكون مكتظة بالموظفين الكادحين، والطلبة، والعاطلين، وكل أطياف المجتمع. فمازال سؤال صديقتها الفلسفي يرن في أذنها، ويأبي أن يفارقها، وصديقتها هذه هي صديقة عمرها، وفي خانة أصدقائها المقربين، لذلك دائما ما تأتمنها علي أسرارها وتشعر بالراحة النفسية عندما تفتح قلبها لصديقتها غيداء.
سألتها غيداء بإهتمام وعيناها تلمعان بالدهشة والإستغراب “لماذا أحببتيه؟”
أجابتها سهام بثقة وفخر “أعجبت بعقليته وذكائه وتفوقه الدراسي والمهني.”
ردت غيداء بحكمة وتعقل ونبرة صوت هادئة “هذا ليس كل شيء، وماذا عن شخصيته؟ أتعلمين جيداً عيوبه ومميزاته؟ لا تعتمدي في حكمك عليه علي ذكائه ونجاحه الأكاديمي والوظيفي. إدرسي شخصيته بعمق أكثر من ذلك، ولا تتسرعي في الحكم عليه.”
ولكنها ردت علي صديقتها بإجابة مقتضبة؛ لأن ما قالته لها ليس كل شيء، لقد أحبت فيه الكثير والكثير. فما أجمل إنسانيته! فهو رجل بمعني الكلمة ويكفي أنه الرجل الوحيد الذي تفهم شخصيتها، وتعاطف معها ومع ما مرت به من ظروف صعبة وتجارب قاسية لايحتملها المرء العادي.
“أعلم أنكِ عانيت كثيراً، ولكنكِ استطعتِ تخطي كل الصعاب ولم تهزمك المعاناة ولم يكسرك الألم.”
ما أجمل كلماته الرحيمة الحانية! فهو إنسان رقيق وحساس يشعر بالأخرين، ويقدر مشاعرهم ويحترمها، ويتألم لألمهم، ويحزن لحزنهم، ويستمع لقصصهم المبكية المفزعة بكل إصغاء وإهتمام، فهو مستمع جيد ومُتحدث رائع، يؤمن بلغة الحوار في العلاقات الإنسانية كلها، وليس فقط في العلاقة بين المُحبين.
“إنه رائع وأحبه بالفعل وأعشق كل شيء فيه، وبيننا العديد من الصفات المشتركة، كالجدية وحب القراءة والكتابة وعشق الأطفال والطموح وحب الخير ونقاء النفس والسريرة وطيبة القلب والرومانسية. وأعلم عيوبه جيداً، فهو يفقد أعصابه ويغضب في بعض الأحيان، ولكن غضبه له حدود، فلا يتلفظ بألفاظ بذيئة ولا يتعدى بالضرب على الآخرين، ولا يركل ولايكسر أي شيء أمامه. وأعلم جيداً أنه عنيد فيما يتعلق ببعض الأمور، وأعلم أنه قلوق وكثير التفكير والتوتر ولكن ليس بصورة مَرضية.”
ولكن لم تسألها غيداء هذا السؤال بعد أن إنفصلت عن زوجها الأول الذي عانت معه معاناة شديدة حتى حصلت علي الطلاق في نهاية الأمر، وشعرت كالعصفور الذي حصل علي حريته أخيراً بعد أن طار من القفص الحديدي الذي عاش فيه كالسجين الذليل.
” لماذا أحببتيه؟” وهنا وجهت سهام السؤال لنفسها بإشمئزاز ونفور شديد.
وأجابت علي نفسها علي الفور وبدون تفكير وقالت: “أحببته؛ لأني ظننت أنه رجل يُعتمد عليه ومحل ثقة، ويتميز بالصلاح والإنسانية ونقاء النفس والطبيعة الطاهرة، ولكني إكتشفت في نهاية الأمر أنني أحببت وغداً حقيراً لايصلح كزوج وأب لأولادي وأحمد الله كثيرا أنني لم أنجب منه! فما ذنب الطفل المسكين أن يكون له أب كاذب مخادع إستغلالي وضيع لا يصلح أن يكون إنسانا قبل أي شيء.”
ولكن عوضها الله أجمل عوض وأرسل لها إنسانا جميلا بدلا من الإنسان الفظيع الذي لايُطاق وهي الآن تعيش أجمل قصة حب تعينها علي حياتها القاسية، فالحب مثل النور الذي ينير لنا ظلمة الحياة، وبدونه نتيه ونفقد رشدنا وصوابنا ونتخبط في كل مايقابلنا ونتعثر في كل العقبات والعوائق.
إنه الحب الصادق وليس الحب الزائف الذي لايدوم وتسقط أقنعته، ونري حقيقته البشعة، ونتمني من أعماقنا زوال هذا الحب وإختفاؤه للأبد.
تباً لكل من يخدع القلوب الصافية الساذجة باسم الحب، ويحطمها و يملأ دنياها البريئة بالظلمة والخراب!



