الفنون

أضواء المدينة

استطاع بعد حصوله علي دبلوم التجارة بسنوات .. أن يحصل علي مؤهل جامعي .. شارف عمره على الاربعين لكنه لم يرض بزوجته الريفية التى قاست معه سنوات المذاكرة والعمل الشاق حتى توفر له الهدوء. ترك وظيفته  الحكومية .. وعمل محاسبا بإحدى البنوك الاستثمارية.

عرف طعم الفلوس .. ارتدي أفخم الثياب .. صادق عملاء كان يقرأ أسماءهم فقط في الصحف أو يشاهدهم في التليفزيون .. تمرد علي زوجته الريفية أم ولديه .. ونسي ماضيه في الريف .. أراد أن يخطو إلى عالم المدينة بكل ما فيه من مباهر وأضواء! جلس يفكر كيف السبيل للخروج الى هذا العالم الرحب لما فيه من رجال وسيدات أعمال .. أراد أن يغير جلده ينتقل من حياة الريفى المتواضع البسيط الى حياة أولاد الذوات ..

جمعته إحدى الجلسات مع سيدة  أعمال جاءت للبنك لتنهى بعض أعمالها أدار معها حوارا حول البزنس ومتاعبه ومشاقه، وكيفية الوصول اليه .. فهمت السيدة أنه يريد أن يرتقى لطبقتها .. وكان ردها طلوع السلم صعب عكس النزول فهو سهل .. وشرحت له بدايتها مع عالم المال الذى يبدأ من ارتياد النوادى المشهورة، ففيها تعقد الصفقات بالملايين بل بالمليارات، ويتم التعرف على ذوى الشأن ..

سألها المحاسب: وما هى أهم الأندية التى توصل للقمة؟

قالت: نادى …

جلس المحاسب يفكر كيف الوصول لعضوية هذا النادى .. استغل عمله فى البنك وطلب من رجل أعمال أن يتوسط له فى تخفيض اشتراك النادى ونال ما أراد .. وبدأ يتردد على النادى بعد أن اشترى شقة تمليك بالقاهرة .. ارتدى المحاسب أفخم الثياب المستوردة، وكان يتفاخر بها أمام أصدقائه فى النادى.

وفى يوم من الأيام جاءه صديق سوء، وقال له إن طموحاتك لن تتحقق طالما أنت متزوج من ريفية .. لابد أن تفكر فى الزواج من احدى فتيات أو سيدات النادى حتى تحقق لك طموحاتك ..

بدأ يخطط بأن يتزوج فتاة من علية القوم .. يفاخر بها قرناءه فى قريته التي لم تكن بعيدة عن القاهرة .. فيها أرضه الزراعية التي ورثها عن والده، وأيضا التي استطاعت زوجته أن تدخر من مصروف البيت وتساهم معه في شراء قطعة أرض أخري. ولأنها لم تحصل إلا علي قسط ضئيل من التعليم، كانت تتفاخر بزوجها .. جاهدت معه حتى أصبح من أثرياء قريته ..

مجلة الجميلات والشرق

نسي كل هذا عندما تعرف علي أسرة من خلال تردده علي النادي في بعض أيام الأسبوع التي كان يترك فيها أسرته مدعيا أن وراءه مأمورية عمل .. نشأت صداقة قوية بينه وبين هذه الأسرة  تبادلا الزيارات .. كان يرقب ابنتهم التي عاشت مع زوجها السنوات الست ثم طلقت منه .. رأت فيه نعم الزوج الريفي الساذج الذي لا هم له ولا حديث إلا عن المدنية والتقدم وحياة الطبقة الأرستقراطية  .. حتى الحديث عن الموضة كان يساهم فيه بجهد خارق .. وكأن يصنع كل هذا من أجل أن يجذب هذه المرأة .. التي استطاعت أن تنصب حبائلها حوله شغف بها المحاسب أعجبته أنوثتها المتفجرة وجهها كالوردة الجميلة التى تنجذب العيون اليها من بعد حديثها الساحر وهو لم يتعود على مثل هذا الكلام المعسول الذى يجعله يسرح بخياله كأنه شاعر ينشد قصيدة شعرتطرب الحاضرين .. ووجد فيها ضالته المنشودة ..

فاتحها في الزواج .. طلبت منه أن يتمهل حتى يدرس كل منهما الأخر .. غمرها بهداياه  الثمينة .. وحفلات السمر ليلا في أرقي الأماكن .. وعندما كان يطلب موعد تحديد الخطبة كان الجواب .. لا تستعجل .. فهناك أمور لا تعرفها .. وظل المحاسب يحلم بيوم الخطبة وهو جالس بجانب فتاته التي  جعلته ينسي حتى طفليه .. أحست زوجته الريفية بغريزة الأنثى أن زوجها تغير ولم يعد الإنسان الهادئ الذي يرضي بأي شئ .. أيقنت  أنه تمرد عليها .. فاتحته في أسباب بعده عنها .. كان جوابه قاطعا .. لاشأن لك بي .. وفشلت كل محاولتها في عودته إلى بيته تركته يفعل ما يريد ..

كانت المفاجأة عندما أخبرته المطلقة بأن والدها وافق علي حضوره لشقتهم الفاخرة لكي يطلب يدها رسميا .. وفي جلسة عائلية تمت الخطبة .. لم يسأل المحاسب عن ماضي فتاته ولا عن سبب طلاقها كان كل همه أن ينال رضاهاحتى يحقق طموحه من خلال والدها المسئول  .. وما هي الا شهور بسيطة حتى اجتمع شمل الزوجين في شقة المحاسب وعاش حياة الملوك وجلس فى أرقى الاماكن التى كان يسمع عنها فى أفلام السينما وشاهد توقيع عقود بالملايين بهره .هذا العالم بكل ما فيه من تناقضات ومساوئ .. وبدأ يصارع الأمواج .. نشأته الريفية تغلبت علي طباعه انتصر بداخله ابن البلد الشهم الأصيل الذى تعود أن يأمر وينهي في المنزل .. لكن زوجته اعتادت عكس ذلك .. حياة النوادي والحفلات في الشقة ..  الذهاب في رحلات جماعية تخيل الزوج أنه يستطيع أن يغير من طباعها لكنة فشل لم ييأس وكرر محاولاته بلا جدوى.. وبدأ الصدام بينهما .. الزوجة تخرج للنادي ولا تعود إلا ليلا حيث تجد الزوج في انتظارها .. ضاق المحاسب من تصرفات زوجته .. طلب منها أن تعتدل في تصرفاتها – لكنها صدمته بكلمة أنا  أحب أن أعيش حياتي كما تحلو لي!

أفاق المحاسب من الحلم الجميل الذى عاشه مع زوجته الثانية على الواقع الأليم الذى لم يستطع الفرار منه سوى بالفراق .. ولكن كيف السبيل وقد خسر معظم أمواله التى أنفقتها زوجته على حياتها الخاصة بجانب الأموال التى اقترضها من البنك ..

احتدم الخلاف بين الزوجين وتغلبت نزعة ابن البلد على المحاسب وقام بضرب زوجته علقة ساخنة وتجرأ وطردها من شقة الزوجية وهنا أدركت الزوجة أن المارد بدأيتحرك بداخله وتأكدت أن الطلاق هو الحل .. وأن الحياة مع هذا الزوج الطموح لن تجدى ولم تتحقق لهاما خططت له  لكن المحاسب عاند بشدة ورفض فكرة الطلاق بعد أن طردها من شقة الزوجية ..

لجأت الزوجة للمحكمة .. رفعت دعوي تطلب فيها الخلع وبدأت القضية تأخذ مجراها  أمام المحكمة انهارت دموع الزوج بعد أن وجهت له المحكمة اللوم علي زواجه الثاني لتركه زوجته الطيبة وطفليه وحينما وجد الزوج أن دخله المالي يقل وأن زوجته الجديدة أقسمت له أن تجعله يبيع كل ما يملك عاد إليه ضميره .. وقال فى نفسه “الخسارة القريبة ولا المكسب البعيد” وجاء قرار المحكمة بأحقية الزوجة فى الخلع .. وعاد المحاسب إلى زوجته الاولى مرة أخرى بعد أن فشل فى حياته الجديدة.0ولكن هذه العودة كانت خالية من المال والجاه ..

ذات يوم وقف المحاسب أمام البنك الاستثمارى ولسان حاله يقول ( أنا أستاهل كل ما حدث لى) كان ماله البنك بتاع بلدنا وفعلا  باع الشقة التمليك لكى يسدد جزء من ديونه المتراكمة وعاد لقريته مرة أخرى وبنك القطاع العام تاركا وراءه تجربة مريرة ..

بواسطة
جمال قنديل

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى