
مرحباً ياجدي
طلب منا أستاذ الموسيقي عمل بحث عن الآلات الموسيقية الخشبية والوترية والإيقاعية، وخاصةً الغريبة وغير المنتشرة، وقد قمنا بالإستماع لمقطوعة لآلة خشبية صوتها ساحر وعذب، ذات أنابيب عديدة متصلة ببعضها، وأريد منك أن تخبرني ماهي وما تاريخها وقصتها ومن أشهر العازفين لهذه الآلة؟
حسناً يابني أعتقد إن الآلة التي تتحدث عنها، بالرغم من سحر صوتها وتميزها، ولكنها ليست منتشرة، وتسمي الأن في الوقت الحالي “البان فلوت”.
هي آلة موسيقية تتكون من العديد من الأنابيب المبطنة في صف واحد. والأنابيب، إما ذات أطوال مختلفة أو مسدودة في نقاط مختلفة.
في كلتا الحالتين، عندما ينفخ الموسيقي عبر الجزء العلوي من الأنابيب، يصدر كل واحد نغمة مختلفة. بهذه الطريقة، يمكنك عزف لحن كامل بهذه الآلة القديمة.
إن الفلوت هو الاسم الحديث لهذه الآلة، ولكن تم تطويرها منذ فترة طويلة في اليونان القديمة. فوفقًا للأساطير اليونانية، فإن الفلوت يدين بوجوده لإله يدعى بان، راعي الرعاة، أو سيرينكس syrinx اليونانية، كما كان يطلق عليها.
كان السيرينكس واحدًا من أقدم الآلات وأكثرها شعبية في اليونان القديمة. في الواقع، يبدو أنها قديمة قدم الحضارة اليونانية نفسها. و قد تم العثور على أقدم الأمثلة عليها في جزر سيكلاديك منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد.
يبدو أنها كانت في الأساس آلة شعبية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالرعاة الذين عزفوها أثناء رعاية قطعانهم. ومع ذلك، هناك بعض الأدلة على أنه تم دمجها في بعض الأحيان في المجموعات التي قدمت الموسيقى للمسرح والشعر اليوناني.
تم تصنيع أنبوب البان فلوت من 4-18 أنبوبًا، بشكل عام، بأطوال مختلفة. وفي مناسبات نادرة كانت الأنابيب لها نفس الطول، وتم استخدام الشمع لإنشاء انسداد، مما يغير درجة ميل تلك القصبة المعينة.
يمكن رؤية البان فلوت عبر الفن اليوناني، ويقوم بالعزف عليه عدد من الشخصيات والآلهة، ولكنه كان دائمًا مرتبطًا بعموم الناس. وباعتباره إله الرعاة، تم تصوير “بان” عمومًا مع الجزء السفلي من جسم الخروف أو الماعز، تمامًا مثل المخلوقات الأسطورية التي تسمى الساتير. وبسبب هذا، ارتبطت الساتير بشكل عام ارتباطًا وثيقًا بها أيضًا، وهو ارتباط لا يزال قائماً حتى يومنا هذا.

ظل البان فلوت شائعًا في اليونان، ومن ثم انتشر في جميع أنحاء أوروبا، لا سيما في عصر القرون الوسطى. قد تسمع أحيانًا أنها يشار إليها بأسماء أخرى، مثل “ناي” في رومانيا و”موسكال” في تركيا، لكن الشكل الأساسي للآلة هو نفسه. وفي جوهرها، يتم اشتقاق جميع المزامير الأوروبية منها.
ومن أسماء الآلة الموسيقية النفخية آلة البان فلوت Pan Flute، أو بان بايب Panpipe، أو سيرينكس syrinx، وكلها أسماء لآلة موسيقية نفخيَّة تتكون من أنابيبَ ذاتِ أطوال مختلفة، وتكون مغلقة من الأسفل والأنابيب مربوطة مع بعضها البعض بشكل متتالٍ أو مجمَّعة في حزمة، ويُنفَخُ في الآلة من الأعلى؛ إذ تؤدِّي كل قصبة واحدة علامة مختلفة عن القصبات المجاورة ذات الطول المختلف.
ولهذه الآلة، يابني أسطورة خلق فريدة، فالأسطورة اليونانية القديمة تقول أنه كان هناك إله يُدعى “بان”، وهو الإله الراعي الساهر على القطعان والمواشي، وكان للإله “بان” هيئة مخيفة بشعة؛ فالقسم السفلي من جسده على هيئة جدي والقسم العلوي منه على هيئة جسد بشري، وله قرنا جدي صغيران خارجان من رأسه، وقد اعتاد “بان الركض” والقفز في الغابات والبراري خلف قطعانه أو خلف العرائس الجميلات، مُلقياً عليهنَّ الرعب عندَ رؤيته.
وفي أحد الأيام التقى إحدى العرائس الرقيقات التي تُدعى “سيرنكس” أي القصبة الناعمة، فأحبها “بان” حباً جمَّاً، لكنها لمَّا رأته فزِعت منه، بالإضافة إلى أنها كانت إحدى وصيفات “أرتميس” (ربَّة القمر والصيد التي كانت لا تقرَب الجنس الآخر ولا الغرام وكذلك كانت وصيفاتها). وهذا ما أخبرته به سيرنكس، لكنَّ “بان” لم يلقِ بالاً إلى حديثها، وحاول تطويقها بذراعيه، إلا أنها هربت صوبَ النهر، وطلبت النجدة من إله ذلك النهر كي لا يغتصبها “بان”. فاستجاب إله النهر لطلبها محولاً إياها إلى قصب، وكان “بان” قد اقترب كثيراً منها مستمراً في محاولة ضمها، وفجأة وجد نفسه لا يضمُّ الحورية الهيفاء، بل يضمُّ حزمة من القصب الطويل، فتنهَّد متحسراً، وسارت أنفاسه في القصب مصدِرةً نغماً رقيقاً عذباً. أحب “بان” ما أصدره القصب من صوت، فاقتطعَ حزمةً منه وصنع لنفسه مزماراً أخذ يعزف عليه مدة طويلة على ضِفة النهر، ويعزف في الغابات ألحاناً شجية استمع إليها الرعاة وأحبوها وأخذوا يعزفونها أثناء رعيهم بقطعانهم، وبهذا كان مولِدُ آلة البان الفلوت أو السيرنكس التي كانت تُصنع من الخشب أو القصب أو الطين أو البرونز، وتُظهِرُ الشواهد الأثرية اليونانية والرومانية آلة البان فلوت مكوَّنة من 5 إلى 13 أنبوباً.

وهناك قصة أخري أن “بان” وقع في حب الحورية “سيرينكس”، والتي لم ترد حب “بان”، ولذا طلبت من زيوس (أو حوريات النهر في بعض الروايات) أن ينقذها من إله الرعاة. فعل زيوس ذلك بأن قام بتحويلها إلى قصب، مما جعل “بان” غاضبًا جدًا لدرجة أنه حطم القصب إلى أجزاء صغيرة. بالطبع، شعر بالندم على الفور، فقام بجمع القصب في محاولة لتقبيلها. وبينما كان يفعل، نفخت أنفاسه في فوهات القصب، فانبعث لحن لتكريم حبه لها، فأطلق “بان” على هذه الآلة اسم “سيرينكس”.
لكن كيف ظهر البان فلوت فعلاً ياجدي؟
يمكننا القول إنَّ البان فلوت والمزامير عموماً هي آلات قديمة جداً، ويرجع ذلك لبساطة صنعها؛ فقد كانت من أوائل الآلات التي صنعها البشر (وترجع أقدم المزامير المكتشفة إلى 35 ألف سنة مضت)، وقد سبقتها الآلات الإيقاعية فقط لأنها أبسط، ويُعتقد أن الإنسان اكتشف أنَّها تصدر أصواتاً بالصُّدفة، وذلك من خلال النفخ في أنبوب (قد يكون قصباً أو خيزراناً أو عظام الحيوانات المجوّفة)، وقد بدأ الإنسان بها بمزمار أحادي من أنبوبة واحدة، ثم بدأ تدريجياً بتمييز الدرجات الصوتية المختلفة المرتبطة بالأطوال المتنوعة للأنابيب، وهكذا وُلدت المزامير وتطورت إلى أشكال عديدة.
هناك أنواع كثيرة من البان فلوت إذ تختلف شكلاً، وبالمواد المصنوعة منها، وبالمدى الصوتي، وكذلك بطريقة التوليف، لكن أكثر النماذج شيوعاً حالياً هو النموذج الأوروبي الشرقي الذي يكون عبارة عن صف واحد من الأنابيب المقعَّرة كلها قليلاً نحو الداخل، ومسدودة من الأسفل، وتُحمَلُ الآلة بكلتا اليدَين ويُنفَخ فيها من الأعلى. عموماً يتراوح مدى آلة البان فلوت من نغمة صول 1 حتى نغمة صول 4 وقد يصل مدى هذه الآلة حتى الأوكتاف الخامس، وفي بعض الآلات الأكبر قد يزيد على ذلك أوكتافان اثنان.
ومن هم بعض أهم عازفي آلة البان فلوت، يا جدي؟
جورجي زامفير Gheorghe Zamfir
سايمون ستانتشو Simon Stanciui
ليو روجاس Lio Rogas
دانا دراغومير Dana Dragomir
ولازالت يابني، هذه الآلة بصوتها الساحر والمميز تسحر أذن من يسمعها؛ لأنها تنبع من أحاسيس العازف الداخلية عن طريق أنفاسه فهي حقا مميزة جداً.
بالطبع ياجدي، فهي بالفعل تجعلك تشعر بالهدوء والراحة وصفات الذهن. هل بإمكاننا أن نستمع إلي صوتها مرة أخري ياجدي، وأريد منك أن تستكمل معي البحث المكلف به عن باقي الآلات الموسيقية.
حسناً يابني….



