
أين وجهي؟
أين وجهي؟
بالأمس رأيته في المرآة مختلفا، شاحبا، عيناي كانتا متحجرتين، لم أهتم بالأمر كثيرا، فأمامي يوم حافل بالعمل.
لم يلحظني أحد، كفت الأعين عن النظر تجاهي، كأنني الفراغ، سمعتُ صوتا يناديني، أجبتُه، ظل يناديني حتى رحل.
أين وجهي؟
ستقولون مات، والحقيقة انني حي بقلب ينبض بقوة، بل أصبحت الآن أشعر بكل مَن حولي، وأسمعهم بوضوح، الفارق أنني الآن لم أعد أحتاج لمرآة.
أرى نفسي من صوتٍ يتردد داخلي فقط، وأرى الناس من نبض قلوبهم لا من صوت حناجرهم.
لكن…
أين وجهي؟
بحثتُ عنه في كل مكان، لم أعلم شيئا غير أنني استيقظتُ من نومي ونظرتُ للمرآة فلم أرَ وجهي المعتاد، آخر ما أذكر أنني وضعتُ وجهي بجانبي، على الوسادة المقابلة، حتى أستطيع النوم خارج أصوات عقلي المزعجة، تلومني، تذبحني، تفتأ تذكر كل خطاياي، أضعه خارج جسدي وأنام بعمق، حتى استيقظتُ اليوم ولم أجده.
أين وجهي، إذا؟
سرقوه مَن سرقتُ أيامهم يوما؟
أم دفنوه حيا من دفنتُهم مع ذكرياتهم تحت تراب الأيام؟
أكان مزعجا لهذا الحد؟
أم أنه كان حقيقة تتبدى أمام أعين كل ناظر إليّ؟
تعني لهم أن صاحب هذا الوجه قد مات سلَفا، وتلك العينان الجامدتان ما هما إلا استراق نظر لأرواحهم.
بحثتُ في كل مكان ولم أجده، أصابني اليأس، عدتُ لبيتي، غلقتُ أبوابي؛ خوفا من سرقة عضو آخر وأنا نائم، جلستُ أستجمع أمري، جاءني كلبي الوفي يجلس تحت قدمي، نظر إليّ وفي عينيه ندم، وبين فكيه بقايا لحم لم أعطه له، فقد نسيتُ أن أضع له طعامه أمس.
قام من مكانه ودلف تحت الفراش، نظرتُ، وجدتُ وجهي أخيرا؛ لكن أشلاء ممزقة، نُهش بين فكي كلبي الوفي الجائع.



